قصيت شعري
لمحة نيوز
الفخم الغالي اختلطت بريحة الشحم والبنزين في الورشة. في اللحظة دي، إيدي المبلولة بالزيت كانت مسكة الخرطوم المكسور، وصوابعي كانت بتترعش من كتر الضغط. قلبي كان بيلطش في قفصي الصدري بصوت حسيت إنه مسموع لكل اللي واقفين. الرباط اللي لافاه على صدري حسيت بيه بيخنقني أكتر، والنفس بقى طالع بالعافية.
الخرطوم ده محدش يتوقعه… عز الدين قالها وهو بيمد إيده وياخد الخرطوم من إيدي. أطراف صوابعه لمست إيدي بالغلط. كانت لمسة سريعة، بس شفت حواجبه اتعقدت خفيف… بشرتي كانت أنعم بكثير من بشرة أي صنايعي شال حديد طول حياته.
رفع الخرطوم وعاينه، وبعدين بصلي مباشرة في عيني إنت مش ميكانيكي يا آدم… الميكانيكي بيعرف العيب بالخبرة، إنت عرفته كأنك حافظ الموتور ده حتة حتة.. أو كأنك متعلم هيدروليك وفيرمات في مكان نظيف.
الدم هرب من وشي تماماً. الأفكار كانت بتجري في دماغي زي المجنونة. هل عرف؟ هل أبويا أو ماجد الشناوي وصلوا له؟ هل نفوذ ماجد جابه لحد هنا؟ عز الدين المغربي يفرق إيه عنهم؟ لو عرف إني بنت وهربانة، هيسلمني لأبويا بصفقة جديدة ولا هيخلص عليا؟
أنا… أنا أبويا كان عنده عربية قديمة زي دي يا باشا، وكنت بفكها معاه وأنا صغير.
الكذبة طلعت من بين سناني بصعوبة. عز الدين حط الخرطوم على رف القماش القريب، وقرب وش أكتر، لدرجة إن عيونه بقت قصاد عيني بالظبط.
أبوك؟ همس بيها بتهكم خفيف، وأبوك ده ما علمكش إن العيون ما بتكذبش؟ إنت خايف يا آدم… خايف من حاجة أكبر بكثير من الخرطوم ده.
وفجأة، قبل ما ألحق أرد أو أتحرك خطوة لورا، البوابة الحديد الكبيرة بتاعة الورشة اترزعت بعنف.
صوت كوتشات عربيات بتفرمل بره بصوت صريخ، ودخل تلات رجال أطوال، لابسين بدال سودا، وفي إيد كل واحد فيهم جهاز لاسلكي. واحد منهم كشف عن وشه وهو بيدور بعينيه في الورشة، ولما عينه جت عليا… قلبي وقف تماماً.
كان حسام… ذراع ماجد الشناوي اليمين. الراجل اللي كان واقف على باب الفيلا ليلة ما هربت.
حسام بص في الورشة وبصوت عالي ومستفز قال المنطقة دي تبعنا يا مغربي… وبندور على حاجة يخص أستاذ ماجد الشناوي، ومبلغين إنها استخبت في الورش هنا.
تامر والصنايعية اتسمروا مكانهم. أنا جسمي كله اتجمد، وحسيت بالدنيا بتلف بيا. لو حسام قرب بس خطوة واحدة وبص في وشي بتركيز… السبع شهور دول كلهم هينتهوا في ثانية.
لكن عز الدين ما أتحركش من مكانه. فضلت عينيه عليا لثواني أخيرية… وكأنه لمح الرعب الحقيقي اللي اتعرى في عيني، وكأنه أدرك في اللحظة دي بالذات إن السر اللي أنا مخبياه بره الورشة دي، جه لحد عنده.
لف عز الدين ببطء شديد ناحية حسام ورجالته، وحط إيديه في جيوبه، وصوته نزل لدرجة من البرود المرعب اللي تجمد الدم في العروق
الشناوي نسى يربط كلابه قبل ما يبعتهم جيزتي… ولا فاكر إن اسم عز الدين المغربي يترمي في وسط الكلام كده؟
ساد الورشة صمت قاتل، صمت تقيل لدرجة إن صوت تنفس الصنايعية بقى مسموع. حسام خطى خطوة لقدام، وعينيه بتتنقل بوقاحة بين وشوش الميكانيكية، لكن نبرة عز الدين المغربي خلت رجالة ماجد الشناوي يقفوا في مكانهم كأنهم اتخشبوا.
حسام حاول يحافظ على ثباته، بلع ريقه وقال بنبرة بيهدي بيها الجو بس فيها تحدي خفي يا عز بيك… الأستاذ ماجد ميبعتش كلاب لحد، إحنا جاين نسأل بكل أدب. فيه حاجة ضايعة منه بقالها سبع شهور، وعرفنا إنها في النواحي دي، وبنعدي على كل الورش والمخازن…
عز الدين ما تحركش شبر واحد. وقف بصلابة جبل، ووشه خالي من أي تعبير، لكن عينيه كانت بتلمع بشرر مرعب.
الورشة دي مش حارة اللي خلفوك علشان تدخلها من غير ما تخبط وتستأذن، عز الدين قالها ببرود أشد من التلج، وصوته كان بيتردد بين الحيطان الصاج. والشناوي بتاعك يعلمك الأدب قبل ما يبعتك هنا. رجالتك تتفضل بره… فوراً.
حسام بص لعز الدين، وبعدين عينه زاشت ورا ظهر عز الدين… ناحيتي أنا.
في اللحظة دي، كنت واقفة مستخبية جزئياً ورا كتف عز الدين العريض. حاولت أطاطي راسي وأمسك مفتاح صليبة ثقيل في إيدي كأني مشغول بالزيت والشحم، بس حسام دقّق النظر. حسيت بتركيزه بيزيد، كأنه بيحاول يربط بين الملامح، بين البنت اللي اختفت من سبع شهور وبين الميكانيكي الرفيع اللي واقف قدامه والأفرول واسع عليه بشكل ملفت.
قلبي كان بيلطش زي جرس الإنذار. صوابعي على المفتاح الحديد عرقانة لدرجة إنه بغوايش هيقع من إيدي.
حسام رفع إيده وشاور عليا وقال بنبرة ملغومة شك مين الشاب اللي واقف وراك ده؟
قبل ما حسام يكمل خطوته ناحيتي، عز الدين تحرك في أقل من ثانية. خطى خطوة واحدة كبيرة، قطعت الرؤية تماماً بيني وبين حسام، وبقى جسمه كله عازل بيني وبينهم.
عز الدين رفع إيده ومسك حسام من ياقت بدلته بضغطة واحدة بطيئة بس مرعبة، وقربه منه لدرجة إن حسام اضطر يبص فوق.
أنا قلت إيه؟ عز الدين همس في وشه. قلت الورشة دي يدخلها اللي أسمحله بس. وآدم ده شغال عندي، يعني خصمي وبتاعي. لو فتحت بقك تاني أو بصيت لواحد من رجالتي بالنظرة دي… مش هترجع لماجد الشناوي على رجليك.
الخوف ظهر واضح في عينين حسام. هو عارف مين عز الدين المغربي، وعارف إن نفوذ ماجد الشناوي يقف تماماً عند حدود منطقة الجيزة لما ييجي الاسم ده بالذات.
حسام رفع إيديه لفوق بإشارة تسليم، وزق نفسه ببطء لورا لما عز الدين ساب ياقت بدلته.
تمام يا عز بيك… وصل المكتوب، حسام قالها وهو بيمسح ياقت بدلته، وبصلي نظرة أخيرية كلها شك وتوعد قبل ما يلف بضهره. هنبلغ الأستاذ ماجد… بس الموضة دي مش هتنتهي على خير.
خرج حسام ورجالته الثلاثة، وصوت كوتشات عربياتهم وهي بتسحب في الشارع بره كان زي صفارة إنذار أعلنت إن الخطر أخد نفس بس متمحاش.
في الورشة، محدش اتنفس. تامر والصنايعية فضلو واقفين مكانهم كأنهم تماثيل.
عز الدين يادوب شاور بإيده من غير ما يلف كل واحد على شغله.
في ثواني، كل الصنايعية جريوا على العربيات، وصوت الشغل رجع يعلى غصب عنهم عشان يداروا على التوتر اللي في الجو.
عز الدين لف ببطء. بصلّي.
المرة دي النظرة مكانتش مجرد شك… المرة دي كان فيها يقين. عز الدين شاف الرعب اللي كان في عيني لما حسام دخل، وشاف حسام وهو بيركز معايا. الراجل الذكي اللي زي عز الدين مش محتاج أكتر من اللقطة دي عشان يربط كل خيوط اللعبة.
قرب مني بخطوات هادية، وقف قصادي مباشرة، ومسك كاب الورشة القديم اللي كنت لابساه ومغطية بيه باقي شعري المقصوص، ورفعه ببطء شديد من على راسي.
الشعر المقصوص بعشوائية نزل على جبهتي، ومع الحركة دي، المسافة القريبة قوي بينهم خلت النظرة تختلف تماماً.
عز الدين بص لعيوني، وبعدين نزل بعينيه للرباط المكتوم تحت قميص الفلانيل الواسع، ورجع بص في عيني تاني.
آدم… قال الاسم بتهكم هادي، وبعدين نزل صوته لدرجة محدش يسمعها غيري … أو أيا كان اسمك الحقيقي