اتنكرت في شكل راجل بعد ما هربت من البيت عشان متجوزش غصب عني من واحد معرفوش وبعد سبع شهور من ساعة ما قصيت شعري زي الرجالة ، وربطت صدري عشان ميبنش ، واختفيت قبل فرحي الإجباري بساعات، الراجل اللي كل القاهرة كانت بتخاف من اسمه بصّلي في عيني لأول مرة. لحد اللحظة دي، كان عز الدين المغربي يعرفني بس باسم آدم راضي... الميكانيكي الشاب الهادي اللي بيشتغل في الورشة، مبيعملش مشاكل، مبيفضلش بعد مواعيد الشغل، ومبيسمحش لحد يقرب منه أو يسأله عن حياته. لكن اللي عز الدين ماكانش يعرفه، إن آدم راضي مكانش موجود أصلًا. اللي كان قدامه كانت ملك عبدالسلام. بنت عندها خمسة وعشرين سنة، اختفت من بيت أبوها قبل فرحها الإجباري، وقررت تدفن شخصيتها القديمة وتعيش بهوية راجل علشان تقدر تنجو بحياتها. الليلة اللي هربت فيها، كان فيه حوالي خمسين واحد نايمين في الفيلا الكبيرة بتاعة أبويا في التجمع، جايين من محافظات مختلفة علشان يحضروا فرحي. فرح كان كل الناس مقررينه من غيري. تاني يوم الضهر، كان المفروض أقعد جنب ماجد الشناوي، أبتسم للكاميرات، وأسمع أبويا وأبوه وهما بيعلنوا رسميًا عن الجوازة اللي أنا رفضتها تلات مرات. ماجد كان عنده ستة وأربعين سنة. وأنا كنت خمسة وعشرين. الناس كانت بتقول عليه راجل نفوذه واسع، لأنه كان صاحب شركات نقل، ومخازن، ومطاعم، وعنده علاقات تخلي ناس كتير تسكت أول ما يسمعوا اسمه. انجي_الخطيب لكن بالنسبالي، ماكانش غير الراجل اللي مرة مسك رسغي من تحت ترابيزة السفرة، وضغط عليه جامد وهمسلي هتتعلمي إن كلمة لأ بالنسبالي مش رفض... دي بس طريقة منك علشان تطلبي مني أستنى شوية. أبويا كان سامع. بصله لحظتها... وسكت. ومن هنا عرفت إن مفيش حد هينقذني. الساعة كانت 1243 بعد نص الليل لما قفلت باب أوضتي بالمفتاح، ووقفت قدام المراية وأنا ماسكة مقص في إيدي. الشعر الأسود الطويل كان نازل حوالين وشي. الشعر اللي كان بيخلي الناس تشوف ملك عبدالسلام... البنت المطيعة، بنت العيلة المحترمة، والورقة اللي أبوها قرر يقدّمها في صفقة جواز علشان يحافظ على مصالحه. أول خصلة وقعت على الأرض. وبعد الرابعة، إيدي بطلت تترعش. الهروب بملك كان مستحيل. أبويا كان يقدر يدور عليا في المطارات ومحطات القطر والفنادق والجامعات، ويسأل كل صاحبة ليا وكل حد يعرفني. وماجد كان عنده رجالة بيدوروا ورا أي حد يحاول يهرب منه. الاتنين كانوا يقدروا يرجعوني قبل ما أوصل حتى لآخر الشارع. علشان كده... ملك عبدالسلام كان لازم تختفي تمامًا. لبست بنطلون واسع وقميص فلانيل قديم كانوا بتوع أخويا كريم اللي مات من سنتين، وربطت صدري بإحكام، وحلقت جزء من شعري وخبيت الباقي تحت كاب، وغمّقت حواجبي، وفضلت أتدرب على صوت أوطى من صوتي. وقفت قدام المراية وقلت أنا اسمي آدم راضي. صوتي كان ناعم. جربت تاني. آدم راضي. المرة دي كان شكلي مقنع. الساعة 317 الفجر، فتحت شباك أوضة الغسيل ونزلت منه، وأنا شايلة شنطة صغيرة فيها فلوس كانت معايا، حوالي 684 جنيه، ومعايا شنطة العدد القديمة بتاعة كريم وهدوم تكفيني كام يوم. ومقفلتش ورايا الباب. لأني كنت عارفة إن ملك عبدالسلام، من اللحظة دي، انتهت. مع أول ضوء للنهار... ملك اختفت. وبدأ آدم راضي يعيش. بعد سبع شهور، كنت شغال في ورشة المغربي لتجديد العربيات في منطقة شعبية ناحية الجيزة. الورشة من بره شكلها عادي جدًا. بوابة حديد كبيرة، عربيات مركونة، ريحة زيت وبنزين، وميكانيكية شغالين طول اليوم. لكن اللي محدش يعرفه إن الورشة دي كانت بتدخلها عربيات محددة جدًا. عربيات قديمة نادرة، عربيات دفع رباعي مصفحة، وعربيات فخمة بمبالغ محدش بيحب يسأل عنها. وصاحب الورشة كان... عز الدين المغربي. راجل نص القاهرة كانت بتخاف من اسمه، والنص التاني كان بيحاول بكل الطرق ميتخانقش معاه. كل واحد في الورشة كان عارف قاعدة واحدة ممنوع الكذب على عز الدين المغربي. وأنا؟ كل نفس كنت باخده تحت سقف ورشته كان مبني على كذبة. سبع شهور كاملة عدّت وهو بالكاد خد باله مني. كنت بلبس الأفرول الواسع، بتكلم بصوت واطي، مبدخلش الحمام مع باقي العمال، مبرحش معاهم القهوة، مخرجش معاهم بعد الشغل، ومسمحتش لنفسي أصاحب حد. كنت حاطة حدود حوالين حياتي أعلى من سور. لأن غلطة واحدة... كانت كفاية تدمر كل حاجة. لحد اليوم اللي عربية عز الدين المغربي القديمة بدأت تعمل مشكلة. كانت عربية موستانج سوداء موديل قديم، وفضلت تقطع وهي شغالة. تلاتة ميكانيكية حاولوا يصلحوها ومحدش عرف. حتى تامر، رئيس الصنايعية في الورشة، كان واقف قدام الموتور بيهز راسه. وأنا كنت شغال على عربية على بُعد كام متر. سمعت صوت الموتور. وفجأة كل حواسي اشتغلت. كان فيه حاجة غلط. حاجة صغيرة جدًا... بس أنا سمعتها. قلت من غير ما أفكر دورها تاني. تامر بصلي باستغراب. نعم؟ قلت دورها تاني. لف المفتاح. الموتور اشتغل. صوت الموتور كان عالي، لكن وسط الصوت كله كان فيه تلعثم بسيط جدًا. ثانية واحدة... وبعدين اختفى. قربت من العربية وبدأت أفك أجزاء منها. تامر وقف يتفرج عليا. بعد حوالي عشر دقايق، كنت لاقيت شرخ رفيع جدًا في خرطوم فاكيوم قديم مستخبي تحت مجموعة السحب. رفعت الخرطوم قدام تامر. هو ده. بصلي تامر كأنه مش مصدق. وبعدين قال يا نهار أبيض... إنت لقيتها إزاي؟ ابتسمت غصب عني. ابتسامة صغيرة. لكنها كانت غلطة. لأن في نفس اللحظة... الورشة كلها سكتت. صوت خطوات تقيلة بدأ يقرب على الأرضية الأسمنت. خطوة... ورا خطوة... وكل الصنايعية فجأة بقوا مشغولين بأي حاجة قدامهم. تامر كان أول واحد وشه اتغير. بص ورايا. وشفت الدم بينسحب من وشه. قلبي وقع. لأني عرفت مين اللي دخل. قبل ما ألف حتى... صوت رجالي هادي قال إيه اللي حصل هنا؟ لفيت ببطء. وكان عز الدين المغربي واقف ورايا مباشرة. ولأول مرة من سبع شهور... الراجل اللي كل اللي حواليه بيخافوا منه بصّ ل آدم راضي نظرة مختلفة. نظرة كأنه... أخيرًا شافني. مش الميكانيكي الهادي. مش الشاب اللي ملوش أهل ولا ماضي. لأ. كأنه لأول مرة حس إن ورا الوش ده... فيه سر كبير. وساعتها، لأول مرة من يوم ما هربت... خفت إن هويتي الحقيقية تكون على وشك إنها تنكشف. انجي_الخطيب سحب سيجارته ببطء، والدخان الطالع منها غطى على ملامح وشه القاسية لثواني، قبل ما يرميها على الأرض ويدوس عليها بجزمته الجلد. المكان حوالينا كان ساكت سكون يرعب، حتى صوت الكوريك الحديد اللي كان شغال هناك وقف مرة واحدة. قرب مني خطوتين، وعينيه السمرا زي الليل كانت بتدرس كل إنش في وشي. النظرة مكانتش مجرد تفحص ميكانيكي شاطر، كانت نظرة راجل متعود يقرا الناس زي الكتب المفتوحة. اسمك إيه؟ صوته كان واطي، بس كان فيه نبرة تقيلة تخلي أي حد يترعش. بلعت ريقي بصعوبة، وحاولت بكل قوة عندي أطلع الصوت الخشن اللي اتدربت عليه سبع شهور. آدم... آدم راضي يا باشا. عز الدين ما ترمش له عين. حط إيده في جيب بنطلونه، ومال براسه ناحية الموتور المفتوح، وبعدين رجع بصلي تاني، والمح لمح البصر حاجة غريبة في عينيه... كأنه بيشوف خطوط وشي المقصوصة بعناية، أو النعومة اللي بحاول أخبيها تحت هباب الزيت والسناج اللي حطاه على خدي. إنت شغال هنا بقالك قد إيه يا آدم؟ سبع شهور... وسبع شهور مسمعتش صوتك فيهم مرة واحدة؟ ولا حتى بتسلم على العمال وإنت داخل؟ تامر رئيس الصنايعية اتدخل بصوت بترعش هو هادي يا عز بيك.. ولد في حاله والله بس أيده تتلف ب... عز الدين رفع إيده الصغيرة بس، وتامر سكت في ساعتها وكأن لسانه اتقطع. خطوة كمان لقدام. المساحة بيني وبينه بقت أقل من متر. ريحة برفانه لمحة نيوز الفخم الغالي اختلطت بريحة الشحم والبنزين في الورشة. في اللحظة دي، إيدي المبلولة بالزيت كانت مسكة الخرطوم المكسور، وصوابعي كانت بتترعش من كتر الضغط. قلبي كان بيلطش في قفصي الصدري بصوت حسيت إنه مسموع لكل اللي واقفين. الرباط اللي لافاه على صدري حسيت بيه بيخنقني أكتر، والنفس بقى طالع بالعافية. الخرطوم ده محدش يتوقعه... عز الدين قالها وهو بيمد إيده وياخد الخرطوم من إيدي. أطراف صوابعه لمست إيدي بالغلط. كانت لمسة سريعة، بس شفت حواجبه اتعقدت خفيف... بشرتي كانت أنعم بكثير من بشرة أي صنايعي شال حديد طول حياته. رفع الخرطوم وعاينه، وبعدين بصلي مباشرة في عيني إنت مش ميكانيكي يا آدم... الميكانيكي بيعرف العيب بالخبرة، إنت عرفته كأنك حافظ الموتور ده حتة حتة.. أو كأنك متعلم هيدروليك وفيرمات في مكان نظيف. الدم هرب من وشي تماماً. الأفكار كانت بتجري في دماغي زي المجنونة. هل عرف؟ هل أبويا أو ماجد الشناوي وصلوا له؟ هل نفوذ ماجد جابه لحد هنا؟ عز الدين المغربي يفرق إيه عنهم؟ لو عرف إني بنت وهربانة، هيسلمني لأبويا بصفقة جديدة ولا هيخلص عليا؟ أنا... أنا أبويا كان عنده عربية قديمة زي دي يا باشا، وكنت بفكها معاه وأنا صغير. الكذبة طلعت من بين سناني بصعوبة. عز الدين حط الخرطوم على رف القماش القريب، وقرب وش أكتر، لدرجة إن عيونه بقت قصاد عيني بالظبط. أبوك؟ همس بيها بتهكم خفيف، وأبوك ده ما علمكش إن العيون ما بتكذبش؟ إنت خايف يا آدم... خايف من حاجة أكبر بكثير من الخرطوم ده. وفجأة، قبل ما ألحق أرد أو أتحرك خطوة لورا، البوابة الحديد الكبيرة بتاعة الورشة اترزعت بعنف. صوت كوتشات عربيات بتفرمل بره بصوت صريخ، ودخل تلات رجال أطوال، لابسين بدال سودا، وفي إيد كل واحد فيهم جهاز لاسلكي. واحد منهم كشف عن وشه وهو بيدور بعينيه في الورشة، ولما عينه جت عليا... قلبي وقف تماماً. كان حسام... ذراع ماجد الشناوي اليمين. الراجل اللي كان واقف على باب الفيلا ليلة ما هربت. حسام بص في الورشة وبصوت عالي ومستفز قال المنطقة دي تبعنا يا مغربي... وبندور على حاجة يخص أستاذ ماجد الشناوي، ومبلغين إنها استخبت في الورش هنا. تامر والصنايعية اتسمروا مكانهم. أنا جسمي كله اتجمد، وحسيت بالدنيا بتلف بيا. لو حسام قرب بس خطوة واحدة وبص في وشي بتركيز... السبع شهور دول كلهم هينتهوا في ثانية. لكن عز الدين ما أتحركش من مكانه. فضلت عينيه عليا لثواني أخيرية... وكأنه لمح الرعب الحقيقي اللي اتعرى في عيني، وكأنه أدرك في اللحظة دي بالذات إن السر اللي أنا مخبياه بره الورشة دي، جه لحد عنده. لف عز الدين ببطء شديد ناحية حسام ورجالته، وحط إيديه في جيوبه، وصوته نزل لدرجة من البرود المرعب اللي تجمد الدم في العروق الشناوي نسى يربط كلابه قبل ما يبعتهم جيزتي... ولا فاكر إن اسم عز الدين المغربي يترمي في وسط الكلام كده؟ ساد الورشة صمت قاتل، صمت تقيل لدرجة إن صوت تنفس الصنايعية بقى مسموع. حسام خطى خطوة لقدام، وعينيه بتتنقل بوقاحة بين وشوش الميكانيكية، لكن نبرة عز الدين المغربي خلت رجالة ماجد الشناوي يقفوا في مكانهم كأنهم اتخشبوا. حسام حاول يحافظ على ثباته، بلع ريقه وقال بنبرة بيهدي بيها الجو بس فيها تحدي خفي يا عز بيك... الأستاذ ماجد ميبعتش كلاب لحد، إحنا جاين نسأل بكل أدب. فيه حاجة ضايعة منه بقالها سبع شهور، وعرفنا إنها في النواحي دي، وبنعدي على كل الورش والمخازن... عز الدين ما تحركش شبر واحد. وقف بصلابة جبل، ووشه خالي من أي تعبير، لكن عينيه كانت بتلمع بشرر مرعب. الورشة دي مش حارة اللي خلفوك علشان تدخلها من غير ما تخبط وتستأذن، عز الدين قالها ببرود أشد من التلج، وصوته كان بيتردد بين الحيطان الصاج. والشناوي بتاعك يعلمك الأدب قبل ما يبعتك هنا. رجالتك تتفضل بره... فوراً. حسام بص لعز الدين، وبعدين عينه زاشت ورا ظهر عز الدين... ناحيتي أنا. في اللحظة دي، كنت واقفة مستخبية جزئياً ورا كتف عز الدين العريض. حاولت أطاطي راسي وأمسك مفتاح صليبة ثقيل في إيدي كأني مشغول بالزيت والشحم، بس حسام دقّق النظر. حسيت بتركيزه بيزيد، كأنه بيحاول يربط بين الملامح، بين البنت اللي اختفت من سبع شهور وبين الميكانيكي الرفيع اللي واقف قدامه والأفرول واسع عليه بشكل ملفت. قلبي كان بيلطش زي جرس الإنذار. صوابعي على المفتاح الحديد عرقانة لدرجة إنه بغوايش هيقع من إيدي. حسام رفع إيده وشاور عليا وقال بنبرة ملغومة شك مين الشاب اللي واقف وراك ده؟ قبل ما حسام يكمل خطوته ناحيتي، عز الدين تحرك في أقل من ثانية. خطى خطوة واحدة كبيرة، قطعت الرؤية تماماً بيني وبين حسام، وبقى جسمه كله عازل بيني وبينهم. عز الدين رفع إيده ومسك حسام من ياقت بدلته بضغطة واحدة بطيئة بس مرعبة، وقربه منه لدرجة إن حسام اضطر يبص فوق. أنا قلت إيه؟ عز الدين همس في وشه. قلت الورشة دي يدخلها اللي أسمحله بس. وآدم ده شغال عندي، يعني خصمي وبتاعي. لو فتحت بقك تاني أو بصيت لواحد من رجالتي بالنظرة دي... مش هترجع لماجد الشناوي على رجليك. الخوف ظهر واضح في عينين حسام. هو عارف مين عز الدين المغربي، وعارف إن نفوذ ماجد الشناوي يقف تماماً عند حدود منطقة الجيزة لما ييجي الاسم ده بالذات. حسام رفع إيديه لفوق بإشارة تسليم، وزق نفسه ببطء لورا لما عز الدين ساب ياقت بدلته. تمام يا عز بيك... وصل المكتوب، حسام قالها وهو بيمسح ياقت بدلته، وبصلي نظرة أخيرية كلها شك وتوعد قبل ما يلف بضهره. هنبلغ الأستاذ ماجد... بس الموضة دي مش هتنتهي على خير. خرج حسام ورجالته الثلاثة، وصوت كوتشات عربياتهم وهي بتسحب في الشارع بره كان زي صفارة إنذار أعلنت إن الخطر أخد نفس بس متمحاش. في الورشة، محدش اتنفس. تامر والصنايعية فضلو واقفين مكانهم كأنهم تماثيل. عز الدين يادوب شاور بإيده من غير ما يلف كل واحد على شغله. في ثواني، كل الصنايعية جريوا على العربيات، وصوت الشغل رجع يعلى غصب عنهم عشان يداروا على التوتر اللي في الجو. عز الدين لف ببطء. بصلّي. المرة دي النظرة مكانتش مجرد شك... المرة دي كان فيها يقين. عز الدين شاف الرعب اللي كان في عيني لما حسام دخل، وشاف حسام وهو بيركز معايا. الراجل الذكي اللي زي عز الدين مش محتاج أكتر من اللقطة دي عشان يربط كل خيوط اللعبة. قرب مني بخطوات هادية، وقف قصادي مباشرة، ومسك كاب الورشة القديم اللي كنت لابساه ومغطية بيه باقي شعري المقصوص، ورفعه ببطء شديد من على راسي. الشعر المقصوص بعشوائية نزل على جبهتي، ومع الحركة دي، المسافة القريبة قوي بينهم خلت النظرة تختلف تماماً. عز الدين بص لعيوني، وبعدين نزل بعينيه للرباط المكتوم تحت قميص الفلانيل الواسع، ورجع بص في عيني تاني. آدم... قال الاسم بتهكم هادي، وبعدين نزل صوته لدرجة محدش يسمعها غيري ... أو أيا كان اسمك الحقيقي إيه. قلبي اتخلع من مكانه. حط كف إيده التقيل على كتفي، وضغط عليه ضغطة خفيفة مش للتخويف، لكن عشان يفهمني إن المفر انتهى. تعال معايا المكتب بره... فوراً. رجليا كانت بتجر على الأسمنت كأنها متكتفة بسلاسل حديد. خطوة ورا خطوة، مشيت وراه لحد باب المكتب الخشب القديم اللي في زنق الورشة. عز الدين زق الباب ودخل، وأنا دخلت وراه، وصوت الباب وهو بيتفل ورايا كان زي صوت قفل زنزانة فاتحتها مفيش منها خروج. المكتب كان دافي، ريحة الخشب العتيق والجلود الفخمة مسيطرة عليه، وعلى الترابيزة الكبيرة كان فيه كاس شاي بيرد وأوراق متستفة بعناية. عز الدين مشي لحد ما وقّف ورا مكتبه، بس مقتعدش. لف وشّه ليا، وسند إيديه الاثنين على طرف الترابيزة، وعينيه المثبتة عليا كانت بتخترقني كأنه بيشوف كل حقيقة حاولت أدفنها من سبع شهور. اقفلي الباب والمفتاح. صوته كان واطي، بس خالي تماماً من النبرة اللي اتكلم بيها مع حسام. مكانش فيه غضب، كان فيه هدوء يرعب. إيدي المرتعشة مسكت المفتاح ولفيته. الصوت الصغير ده خلّى جسمي كله يترعش. دلوقتي... عز الدين قرب خطوتين، ونظرته نزلت من وشي لرباط صدري المخفي تحت القميص، ورجعت تاني لعيوني. من غير كذب، ومن غير تمثيلية آدم راضي اللي شبعت منها... إنتي مين؟ بلعت ريقي بصعوبة، حسيت حلقي ناشف زي الصحراء. حاولت أفك الأفرول المليان شحم، صوابعي كانت بتتلعثم في الأزرار. بصيت للأرض وقولت بنبرة خافتة، والمرة دي سبت صوتي الطبيعي يطلع... الصوت النظيف الناعم اللي مسمعتوش من سبع شهور ملك... ملك عبدالسلام. عز الدين ما اندهش، بس حواجبُه اتعقدت خفيف، وكأنه بيكمل باقي الصورة في دماغه. عبدالسلام... بتاع مجموعات النقل والتخليص الجمركي؟ رهت براسي ببطء وأنا مش قادرة أرفع عيني فيه أيوه. وماجد الشناوي... عز الدين كمل وهو بيميل برأسه، كان المفروض تجوزيه؟ كان حيجوزني غصب عني... صفقة بين أبويا وبينه. هربت ليلة الفرح، قصيت شعري، ولبست هدوم أخويا الله يرحمه، وجيت هنا... عشان أختفي. عشان مفيش حد يدور على بنت في ورشة ميكانيكا للجيزة. رفع عز الدين إيده ومسح على دقنه الهادية، وعينيه كانت بتدرس كل كلمة بنطقها. سبع شهور عايشة وسط الرجالة، بتاكلي وتنامي وتشتغلي في الشحم والتراب... عشان تهربي من الشناوي؟ عشان أهرب من سجن أفظع من ده ألف مرة، رفعت عيني وبصيت له للقطة، والدموع كانت محبوسة في عينيا بتلمع. الشناوي مش راجل اتجوزه يا عز بيك... الشناوي كان هيقتل كل حاجة فيا. أنا فضّلت أندفن هنا كآدم، ولا إن أكون لعبة في إيده. المكتب ساد فيه سكوت تقيل. عز الدين فضّل باصصلي لثواني طويلة، كأنه بيوزن كلامي على ميزان خاص بيه. مشي ببطء ناحية الشباك الصغير اللي بيطل على الورشة بره، وبص للصنايعية اللي شغالين. الشناوي مش عبيط يا ملك، عز الدين قال اسمها لأول مرة، وصوت الاسم في المكتب كان غريب، كأنه كشف السر تماماً. حسام مش هيسكت. الشك اللي في عينيه النهاردة هيخليه يقلب الدنيا بره الورشة، وممكن يرجع برجالة أكتر أو يبلغ ماجد بنفسه. قلبي اتخلع، وبدون ما أحس قسيت على إيدي وقولت بلهفة أنا همشي! والله همشي دلوقتي حالا مش هسببلك أي مشاكل مع الشناوي... أنا هاخد حاجتي و... تقعدي مكانك. الكلمة طلعت منه زي السيف. حسيت إني اتسمرت في أرضي. لف عز الدين وبصلي بنظرة صارمة، بس المرة دي مكانتش حادة، كان فيها حاجة تانية... حاجة شبه الحماية. حد يخرج من ورشة المغربي وهو مستهدف بالطريقة دي، يبقى أنا بسلمه لإيديهم بنفسي، عز الدين قالها وهو بيمشي ناحية الخزنة الحديد المستخبية ورا اللوحة على الحيطة. وأنا محدش بيملي عليا أسلم مين ولا أحمي مين. الشناوي يستجرى يجرب حظه معايا... بس إنتي من اللحظة دي مش آدم بتاع الورشة. بصيتله بعدم فهم، ودمعة واحدة نزلت من عيني غصب عني مسحتها بسرعة بظهر إيدي الملوثة بباب الزيت. عز الدين فتح الخزنة وطلع منها مفتاح صغير، وبصلي بجدية شديدة من النهاردة هتطلعي تعيشي في الشقة اللي فوق الورشة. محدش من العمال هيشوفك تاني بأفرول الميكانيكا، وحسام لو رجع... هيلبس التهمة اللي هيجيبها لنفسه. خطيت خطوة لقدام وقولت بصوت بترعش ليه؟ ليه تعمل معايا كده وإنت ما تعرفنيش؟ عز الدين قرب مني، وقدم المفتاح لإيدي. لما صوابعه لمست صوابعي، كانت لمسته دافية وثابتة، وحسيت لأول مرة من سبع شهور إن فيه حيطة ساندة ضهري. لأن الراجل اللي يمد إيده على واحدة غصب عنها أو يفتكر إن نفوذه يخليه يملك بني آدمة... يلزمك تعرفي إن فيه في الجيزة رجالة أجدع منه بكتير. سحبت إيدي ببطء والمفتاح في قبضتي، كان دافي من مسكته. نظرتي كانت متثبتة على المفتاح النحاس الصغير، وبعدين رفعتها لوشه. عز الدين المغربي مكانش مجرد راجل بيحمي حد في ضائقة، كان فيه في عينيه هدوء مريب... هدوء الراجل اللي دخل حرب وعارف إنه هيكسبها قبل ما تبدأ أساسًا. الشنطة بتاعتك فين؟ سأل وهو بيمشي ناحية باب المكتب. في الأوضة اللي ورا المخزن... الشنطة الصغيرة. صوتي كان لسه بيطلع مبحوح، ناعم زي ما نسيت إنه كان. عز الدين ما لفش، بس هز راسه. هتطلعي من الباب الخلفي للمكتب، فيه سلم حديد طالع ل الشقة فوق. الميكانيكية مش هيشوفوكي. تامر هو الوحيد اللي هيفهم إن آدم مشي، وهجيب لك حاجتك لحد عندك. وعز الدين بك... ناديت عليه قبل ما يفتح الباب. وقف وإيده على المقبض، ولَف نص لفة. حسام مش عبيط... وهيرجع لماجد. ماجد الشناوي نفوذه مش بس في الجيزة أو التجمع، ده عنده ناس في قاطعني بابتسامة صغيرة، دافية بس مليانة ثقة تخوف. ماجد الشناوي بيلعب في الطين يا ملك... وأنا اللي بيبني المباني اللي هو بيمشي تحتها. الشناوي لو فكر بس يرمي طوبة ناحية الورشة دي، أنا ههدم عليه كل المخازن والشركات اللي حاطط إيده عليها في السوق. العبي غيرها... واطلعي فوق. فتح الباب وخرج، وسابه موارب. مشيت بخطوات مسروقة ناحية الباب الخلفي. السلم الحديد كان ضيق ونازل منه ريحة الصدأ والرطوبة. طلعت درجة درجة، وجسمي كله كان بيترعش من الفكرة بعد سبع شهور من نومة الأرض في زنقة المخزن، وربط صدري اللي كان بيخنق نفسي كل ليلة، وأفرول الميكانيكا المليان شحم... أنا رايحة مكان أقدر أتنفس فيه ك ملك. فتحت باب الشقة فوق بالمفتاح. المكان كان واسع، حيطانها خشب دافي، وفيه شبابيك كبيرة بتبل على الشارع الوراني البعيد عن الورشة. كانت نظيفة كأن فيه حد بيعديها بانتظام، وفيها سرير كبير، وكنبة جلد، وشباك بيبص على النيل من بعيد. قعدت على طرف السرير، وحطيت إيدي على وشي. لأول مرة من سبع شهور، بكيت. دموع نزلت حامية، مسحت معها هباب الزيت والسناج اللي كان على خدي. بكيت على ملك اللي ضاعت، وعلى السبع شهور اللي عشتهم كخيال راجل، وعلى الخوف اللي جالي مع دخول حسام. بعد نص ساعة، خبطتين هاديين على الباب. فتحت، كان عز الدين واقف، ماسك شنطتي الصغيرة في إيد، وفي الإيد التانية كرتونة مقفولة. دخل وحط الحاجة على الترابيزة. دي شنطتك... والكرتونة دي فيها هدوم نظيفة وأكل ومية. الأسبوع ده مش هتخرجي من الشقة دي خالص، الشباك المقابل للشارع يفضل مقفول. بصيت للكرتونة وبعدين بصيت له إنت بتخاطر بورشة كاملة وباسمك علشان واحدة ما تعرفهاش. عز الدين قرب مني، ووقف قصادي، عيونه كانت بتفحص وشي المغسول من الشحم لأول مرة. ملامحي الحقيقية كانت باينة تحت النور الأبيض المباشر. أنا ما بحميش واحدة ما اعرفهاش... قالها بصوت هادي كأنه بيعترف بالسر لنفسه قبل ما يقولهولي. أنا من تالت شهر لإنت جيتي فيه الورشة، وأنا عارف إن آدم راضي وراه حكاية مش مضبوطة. المشية، المسكة، الصوت اللي بتحاولي تخشنيه... الميكانيكي الشاطر بيعرف الخامة من لفتها يا ملك. قلبي اتخلع كنت عارف؟! كنت شاكك... والنهاردة لما حسام دخل، وعينيكي اتملت بالرعب ده، التأكيد جه. ابتسم بتهكم خفيف وهو بيمشي ناحية الباب. بس الصراحة؟ ما توقعتش إنك تكوني ملك عبدالسلام اللي الشناوي قالب مصر عليها بقاله سبع شهور ومطلع شائعة إنها سافرت بره. وقف عند الباب ولَفلي ارتاحي... بكرة الشناوي بنفسه هييجي الورشة، وأنا حابب أستقبله جداً. الكلمة الأخيرة نزلت عليا زي الصاعقة. ماجد الشناوي جاي هنا؟ الدم اتجمد في عروقي، وحسيت الشقة بتلف بيا. مسكت في طرف الترابيزة عشان ما أقعش. الشناوي... الراجل اللي هربت منه ومن نفوذه ومن اللمسة اللي كانت بتسيب أثر على جسمي زي النار، هيبتعد عني بضع خطوات بس؟ بيني وبينه سقف خشب وسلالم حديد؟ عز الدين لاحظ رعشة إيدي. وقف مكان عنده على الباب، وعينيه المثبتة عليا كانت هادية بثبات يدوّخ. ماجد مش جاي عشانك يا ملك، عز الدين قالها ببرود أشد من الثلج. ماجد جاي عشان حسام رجع له وقال له إن عز الدين المغربي حط إيده في صدره وطرده من الورشة. والشناوي نفوذه مبني على الهيبة... لو سكت على اللي حصل النهاردة، كبره قدام رجالته هيتكسر. خطيت خطوة ناحيته، وصوتي كان بيترعش من كتر الخوف إنت مش فاهم... ماجد لو حس بس بنسبة واحد في المية إن أنا فوق، مش حيهمه لا ورشة ولا جيزة، هيقلب الدنيا وهيدخل برجالته ومش هيفرق معاه حد! عز الدين حط إيده في جيب بنطلونه، وقرب مني خطوتين ببطء. النظرة اللي في عينيه مكانتش نظرة راجل خايف، كانت نظرة صياد مستني الفريسة تدخل المصيدة برجليها. يبص... ويحاول، همس عز الدين وصوته فيه نبرة تقيلة تخلي الشباك يتزحزح. ماجد الشناوي فاكر إن الفلوس والنفوذ تخلي أي حد يوطي راسه. بس هو نسي إن فيه فرق بين الراجل اللي بيشتري الناس بفلوسه، والراجل اللي الناس بتمشي وراه بعزها. الورشة دي تحتها أربعين راجل بياكلوا عيش من خيري، والمنطقة دي كلها من أولها لآخرها ما بتتنفسش غير بإذني. الشناوي لو دخل بقلة أدبه... مش هيخرج منها غير وهو مكسور. بصيت له وأنا مش قادرة أستوعب. السبع شهور اللي عشتهم في الرعب، الليل اللي كنت ببتديه بالبكاء وأنا بربط صدري بالرباط الضاغط عشان ميبانش، والخوف من كل عربية تقف قدام الورشة... كل ده كان بيتهز قدام الثقة المرعبة اللي بيتكلم بيها عز الدين. ليه؟ سألته تاني، والدموع جمعت في عيني. ليه تد More دخل نفسك في حرب مش حربك؟ عشان كبرياء؟ عشان حسام دخل الورشة من غير ما يستأذن؟ عز الدين بصلّي لثواني طويلة. عينيه نزلت على وشي المغسول، شعري المقصوص بعشوائية، والإرهاق اللي كان باين في كل خط على جبهتي. قرب أكتر، لدرجة إني حسيت بدفا أنفاسه. عشان السبع شهور اللي استحملتيهم يا ملك... قالها بنبرة واطية جدًا، نبرة غريبة خلت قلبي يطرق بين أضلعي بشدة. عشان البنت اللي تقص شعرها وتعيش في هباب الزيت وترقد على الأسمنت عشان تشتري حريتها وترفض تكون مجرد صفقة... ما ينفعش تتساب لوحدها لما الخطر يوصل لحد بابها. سكت لثانية، وبعدين أخد نفس هادي وكمل وهو بيلف ناحية الباب نامي ورتاحي. الباب ده مقفول بالمفتاح من جوه. وبكرة الضهر... لما تسمعي صوت عربيات ماجد الشناوي بره، ما تبصيش حتى من الشباك. سيبيلي اللعبة دي... وأنا هوريكي الشناوي ده حجمه الحقيقي إيه. خرج وساب الباب يتفل وراه ببطء. قفلت الباب بالمفتاح، وضهرت عليه وأنا بنزل للأرض ببطء. حطيت إيدي على صدري اللي لأول مرة من سبع شهور بقى يتنفس بحرية من غير رباط ضاغط. الشقة كانت ساكتة، بس الشارع تحت بدأ يتملي بصوت خطوات ورجالة بتتحرك... رجالة عز الدين اللي بدأوا يقفوا على كل مدخل ومخرج للمنطقة. الليلة دي ما عرفتش أنام. فضل عينيا مفتوحة على السقف، وكل دقيقة بتعدي كانت بتقربني من الضهر. من اللحظة اللي هتقف فيها العربيات السودا قدام الورشة... ومن المواجهة اللي مش هتحدد بس مصيري، لكن هتحدد مصير ملك عبدالسلام للأبد. الساعة كانت واحدة الضهر لما الصوت بدأ. مش صوت الورشة العادي بتاع الشاكوش والمواتير، لأ... صوت كوتشات عربيات كتير بتفرمل مع بعض في الشارع الشبه ضيق، diikuti ب صوت إغلاق أبواب عربيات بترزع بعنف. تكتكة السلاح والخطوات التقيلة كانت مسموعة من فوق، كأن الأرضية الخشب تحت رجليا بتهتز. مقدرتش أقاوم. مشيت على أطراف صوابعي ناحية الشباك المتغطي بستارة تقيلة، ووربت منها مليمتر واحد بس. كان فيه حوالي خمس عربيات دفع رباعي سودا واقفين قافلين الشارع. طلع منهم يجي خمسة وعشرين راجل بالبدل السودا، وعلى رأسهم حسام... وجنبه الراجل اللي كنت بشوفه في كوابيسي طول السبع شهور اللي فاتوا. ماجد الشناوي. كان لابس بدلة كحلي فخمة، بيمشي ببطء وتكبر، وبيدخن سيجار ببرود، لكن ملامح وشه كانت مشدودة بشر. وفجأة... من قلب الورشة، خرج عز الدين المغربي. مكانش لابس بدلة، كان لابس قميص أسود عادي مشمر أكمامه، وإيديه في جيوبه، وبيمشي بمنتهى الهدوء. ومن وراه، خرجوا أكتر من تلاتين راجل من صنايعية وشباب المنطقه، كل واحد فيهم ماسك في إيده حاجة... مفاتيح إنجليزي ثقيلة، جلاخات، وسلاسل حديد. وفي أقال من ثانية، الشارع كله اتملى بأهل المنطقة اللي وقفوا ورا عز الدين كأنهم سد حديد. ماجد الشناوي وقف على بُعد خطوات، ونزل السيجار من بؤه، وقال بصوت عالي ومستفز منور يا مغربي... الشغل ماشي كويس؟ ولا كبرت خلاص وبقيت تخبي الشغالين بتوعك عننا؟ عز الدين ما اتحركش من مكانه، ولا نبرة صوته اتغيرت. بص لماجد من فوق لتحت ونطق ببرود يرعب الشناوي بنفسه في جيزتي؟ خير... جايب كلابك دول معاك ليه؟ ناوي تتغدى عندنا ولا جاي تدور على حاجة مش بتاعتك؟ وش ماجد احمر من الإهانة، وخطى خطوة لقدام وهو بيشاور بإيده بعصبية بلا لف ولدوران يا عز! الراجل بتاعك اللي اسمه آدم... حسام شاف وشه كويس بيلف في الورشة ب قميص واسع وشعر مقصوص، والملامح مش غريبة عليه. البنت اللي هربانة مني بقالها سبع شهور موجودة هنا... سلمها بحدانا بدل ما نقلب الشارع ده عاليها واطيها. أنا فوق كنت ماسكة الستارة وبترعش، نفسي ضاق، وحسيت إن كل حاجة انتهت خلاص. لكن عز الدين ضحك. ضحكة واطية، تهكمية، هزت المكان كله. قرب من ماجد خطوة واحدة، وصوته نزل لدرجة خلت الشارع كله يسكت تماماً تقلب الشارع؟ إنت فاكر نفسك واقف في التجمع يا شناوي؟ الورشة دي، والشارع ده، والمنطقة دي كلها... بكلمة مني مفيش عربية واحدة من دول هترجع بيك حية. أما بالنسبة للبنت... عز الدين سكت ثانية، وبص ل عينين ماجد مباشرة وبكلام حاد زي السيف ... ف لو فرضنا إنها هنا، إنت فاكر إن ملك عبدالسلام ممكن تبص لواحد زيّك بعد ما شافتك على حقيقتك؟ البنت هربت منك ومن أبوها لأنكم بعتوها واشتريتوها كأنها بضاعة... وفي عرف الرجالة، اللي تسيبك وتهرب منك وتفضل تعيش في الشحم والتراب على إنها تعيش في عزّك... تبقى كرهتك. ماجد أيده اترعشت من الغضب، ورجالته مدوا إيديهم تحت البدل يجيبوا السلاح، لكن في نفس اللحظة... صوت أجزاء سلاح بتتسطر طلع من الشبابيك والأدوار العالية في البيوت اللي حوالين الورشة. شباب المنطقة كانوا واقفين على الأسطح ومعاهم سلاح حي وموجهين على رجالة الشناوي. حسام ذراع ماجد اليمين اتمسخ وشه، وهمس في أذن ماجد بصوت مرعوب يا باشا ننسحب... المكان هنا لغم. ماجد بص حواليه وشاف المحاصرة الشديدة، وبعدين بص لعز الدين بكره مفيش بعده، وقال وهو بيصر على أسنانه مش هنساهالك يا مغربي... والحساب بيننا يطول. عز الدين ابتسم ببرود، وقال وهو بيلف ضهره بلامبالاة سلملي على أبوها... وقوله البضاعة اللي رميتوها، بقت في حماية المغربي. ركب ماجد ورجالته العربيات، وأخدوا يوتيرن وغادروا الشارع بسرعة جنونية وكأنهم بيهربوا من جحيم. أنا فوق نزلت على الأرض وسندت ضهري على الحيطة وأنا بأخد نفسي بصعوبة... الدموع كانت نازلة من عيني، بس المرة دي مكانتش دموع خوف. كانت دموع راحة. بعد عشر دقايق، سمعت صوت خطوات تقيلة طالعة على السلم الحديد. خبطتين هاديين على الباب. فتحت... كان عز الدين واقف، شعره مشكوك خفيف من الهواء، وعينيه السمرا بصالي بهدوء. مش قولتلك ما تبصيش من الشباك؟ قالها بابتسامة خفيفة. بصيت له بصوت مخنوق بالدموع إنت... إنت مشيتهم بجد؟ عز الدين دخل الشقة وقفل الباب وراه ببطء، وقرب مني لحد ما بقى واقف قصادي بالظبط. مسك كف إيدي المرتعش بين إيديه الدافية، وقال بصوت واطي ومتقاطع الشناوي انتهى يا ملك... مش بس من الشارع، الشركات والمخازن بتاعته ورقها كله تحت إيدي من الصبح وبكرة الصبح النيابة العامة هتفتح ملفاته. مش هتقصي شعرك تاني، ولا هتلبسي أفرول واسع، ولا هتعيشي باسم راجل مش موجود. دمعة نزلت من عيني، وعز الدين رفّع إيده وبصوابعه النظيفة مسحها ببطء شديد عن خدي. دلوقتي... همس وهو بيبص في عيني بنظرة جديدة تماماً، ملك عبدالسلام كملت الخمسة وعشرين سنة... وما حدش في الدنيا دي كلها هيقدر يجبرها على حاجة تاني. مرت تلات سنين. تلات سنين من اليوم اللي مسح فيه عز الدين الدمعة من على خدي، ومن الساعتها... الدخان اللي كان مغطي حياتي اتكشف تماماً. ماجد الشناوي ما لحقش حتى يفكر ينتقم. أوراق المخازن المشبوهة، وقضايا التخليص الجمركي المضروبة اللي عز الدين رمى ملفاتها في النيابة ثاني يوم، كانت كفيلة إنها تطير اسمه من السوق في أسبوعين. الممتلكات اتجمّدت، والشركات اتأفلت، وماجد قضى باقي حياته بيتجول بين أروقة المحاكم، لحد ما بقاش حيلة إيده غير الذكريات والنفوذ اللي أتمحى. أما أبويا... فلما عرف إن ماجد وقع، وإن ملك مش مجرد بنت هربانة، دي بقت تحت حماية عز الدين المغربي بكل قوته ونفوذه، اختار السكوت. أدرك إن الصفحة اتقفلت، إن البنت المطيعة اللي كان عاوز يبيعها في صفقة تجارية ماتت الليلة اللي اتنعكست فيها خصلات شعرها على أرضية أوضة الغسيل. النهاردة... أنا واقفة قدام مراية كبيرة في شقة واسعة بتبص على النيل مباشر. الشعر الأسود الطويل رجع نزل تاني على كتفي، أطول وأتقل من الأول. لابس الفستان الأبيض البسيط اللي اخترته بنفسي، من غير ما حد يملي عليا كلمة، ومن غير ما يكون فيه خمسين غريب نايمين في فيلا بيحتفلوا بجوازة أنا رافضاها. الباب انفتح ببطء. دخل عز الدين. كان لابس بدلة كحلي أنيقة جداً، بس عينيه السمرا هي هي... نفس العيون اللي بصلت ل آدم الميكانيكي أول مرة، ونفس العيون اللي حمت ملك لما الدنيا كلها كانت ضدها. قرب مني بخطوات هادية، وقف ورايا قدام المراية، وحط إيديه الاثنين على كتفي. جاهزة؟ همس بيها صوته الدافئ القريب. بصيت لورشه في المراية، وابتسمت ابتسامة حقيقية، صافية، طالعة من وسط قلبي لأول مرة من سنين. جاهزة يا عز... مسك إيدي، وضغط عليها بنفس الثبات اللي حسيت بيه أول يوم طلعت فيه الشقة فوق الورشة. الورشة لسه شغالة، وصوت المواتير والحديد لسه مالية الشارع تحت، بس آدم راضي اختفى خلاص... وملك عبدالسلام أخيراً لقيت بيتها، ولقيت الراجل اللي اختارته بكامل حريتها. خرجنا سوا، وأنا عارفة إن القصة اللي بدأت بمقص وهروب في ضلمة الليل... انتهت بنور وعز مالوش آخر. تمت حكايات انجى الخطيب